ابراهيم بن عمر البقاعي
595
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
اتسق الابتداء فيها فيما كان من حرفين جمعهما مخرج بالأعلى ثم بالأدنى إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون كما كان في أول الإسلام حيث حصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأقاربه في الشعب ، وذلك أيضا إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن من زين ظاهره بجمع الأعمال الصالحة صحح اللّه باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة على أن في هذا التدلي بشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من الأول ، كما كان عند الظهور من الشعب بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة الذي كان الضيق سببا له ، لأن الثاني من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجا ، فإن الحاء لها من الصفات الهمس والرخاوة والاستفال والانفتاح والميم له من الصفات الجهر والانفتاح والاستفال وبين الشدة والرخاوة ، والعين لها من الصفات ما للميم سواء ، والسين لها من الصفات ماللحاء ، وتزيد بالصفير ، والقاف له من الصفات الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء والقلقلة فالحرف الأول أكثر صفاته الضعف ، ويزيد بالإمالة التي قرأ بها كثير من القراء ، والثاني والثالث على السواء ، وهما إلى القوة أرجح قليلا ، وذلك كما تقدم من وسط الحال عند الخروج من الشعب ، والرابع فيه قوة وضعف وضعفه أكثر ، فإن فيه للضعف ثلاث صفات وللقوة صفتين ، وذلك كما كان حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند آخر أمره بمكة المشرفة حين مات الوزيران خديجة رضي اللّه عنها وأبو طالب لكن ربما كانت الصفتان القويتان عاليتين على الصفات الضعيفة بما فيهما بالانتشار بالصفير والجمع الذي مضت الإشارة إليه من الإشارة إلى ضخامة تكون باجتماع أنصار كما وقع من بيعة الأنصار ، والخامس وهو الأخير كله قوة كما وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « فلما هاجرنا انتصفنا من القوم وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم « 1 » » ثم تكاملت القوة عند تكامل الاجتماع بعد قتال أهل الردة بعد موته صلّى اللّه عليه وسلّم لا جرم انتشر أهل هذا الدين في الأرض يمينا وشمالا ، فما قام لهم مخالف ، ولا وافقتهم أمة من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم وقوة غيرهم وكثرتهم إلا دمروا عليهم فجعلوهم كأمس الدار ، وقد جمعت هذه الحروف كما مضى وصفي المجهورة والمهموسة كانت المجهورة أغلبها إشارة إلى ظهور هذا الدين على كل دين كما حققه شاهد الوجود ، وصنفي المنقوطة والعاطلة ، وكانت كلها عاطلة إلا حرفا واحدا ، إشارة إلى أن أحسن أحوال المؤمن أن يكون أغلب أحواله محوا لا يرى له صفة من الصفات بل يعد في زمرة الأموات وإلى أن المتحلي بالأعمال الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب هذا الدين قليل جدا ، وكان المنقوط آخرها إشارة إلى أن نهاية المراتب عند أهل الحق
--> ( 1 ) ورد في الأصل لفظ : « أقلت » والتصويب من الترمذي وابن ماجة .